مجموعة مؤلفين
204
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
إلى بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها . . . الخ » . يشرح محيي الدين هذا الحديث الذي توهم فيه بعض الجهلاء ما يفيد الوحدة فيقول : « أي أن من تقرب إلى ربه فأحبه ، أفاض عليه أنوار المعرفة ، فانكشفت له الحقائق ، فرأى كل شئ بنور هذه المعرفة أي أنه لا حلول ولا اتحاد ، فإن القول بالحلول مرض لا يزول ومن فصل بينك وبينه فقد أثبت عينك وعينه ألا ترى إلى قوله « كنت سمعه الذي يسمع به » فأثبتك بإعادة الضمير عليك ليدلك عليك وما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد ، كما أن القائل بالحلول من أهل الجهل والفضول » . وقال في باب الأسرار : أنت أنت ، وهو هو ، فإياك أن تقول كما قال العاشق « أنا من أهوى ومن أهوى أنا » فهل قدر هذا أن يرد « العين » واحدة « لا واللّه ما استطاع ، فإنه جهل ، والجهل لا يتعقل حقا . . . إياك أن تقول أنا هو ، وتغالط فإنك لو كنت هو ، لأحطت به ، كما أحاط تعالى بنفسه . . . لو صح أن يرقى الإنسان عن إنسانيته ، والملك عن ملكيته ، ويتحد بخالقه تعالى ، لصح انقلاب الحقائق وخرج الإله عن كونه إلها ، وصار الحق خلقا ، والخلق حقا ، وما وثق أحد بعلم ، وصار المحال واجبا فلا سبيل إلى قلب الحقائق أبدا » . من هذه النصوص يبدو جليّا أن الإمام محيي الدين كان بريئا البراءة كلها من فكرة « وحدة الوجود » نقيا من مبدأ « الحلول » ، وأن عقيدته كانت من أتم العقائد تنزيها للّه وأجلها تقديسا له ، وأبعدها عن نسبة أقل الشوائب إلى ذاته تعالى ، أو إلى أفعاله وأنه من أعلام الفكر الإسلامي القليلين الذين أحاطوا بالثقافة الإغريقية وغيرها مما ترجم في الشرق ونقل إلى المغرب ، وتعمّقوا في بحارها ، ووقفوا على أسرارها وخفاياها دون أن يقلدوها أو يحاكوها ، وأنه لم يتأثر أدنى تأثر بما بهر غيره من تراث الحكماء الأقدمين . وإذا ظهر في تآليفه من المبادئ ما يتفق مع بعض هذا التراث الفلسفي ، فليس